/

يونيو 28, 2026

هل يجب أن ترد على كل المكالمات أثناء العمل؟

في زمنٍ صار فيه الهاتف امتدادًا لليد، لم تعد المكالمة الهاتفية مجرد وسيلة اتصال، بل أصبحت مقاطعة محتملة، وقرارًا صغيرًا قد يؤثر في جودة العمل، وتركيز الذهن، وسلامة الإنسان أحيانًا. لذلك فالسؤال الصحيح ليس: هل أرد على كل المكالمات أثناء العمل؟ بل: متى يكون الرد واجبًا، ومتى يكون تجاهل المكالمة هو القرار الأذكى؟

القاعدة العملية أن الرد على المكالمات أثناء العمل لا ينبغي أن يكون تلقائيًا. فليست كل مكالمة عاجلة، وليست كل مقاطعة بريئة الأثر. بعض المكالمات تستحق الرد الفوري: مكالمة من مدير مباشر، أو عميل مهم، أو زميل مرتبط بمهمة عاجلة، أو اتصال عائلي قد يحمل ظرفًا صحيًا أو طارئًا. في هذه الحالات يصبح الرد جزءًا من المسؤولية لا خصمًا من الإنتاجية.

لكن في المقابل، هناك أوقات يكون فيها الرد إضرارًا بالعمل لا خدمة له؛ مثل فترات التركيز العميق، والاجتماعات، والكتابة، والتحليل، والمراجعة الدقيقة، والمهام التي تتطلب انتباهًا متصلًا. فالمشكلة ليست في دقيقة المكالمة وحدها، بل في كلفة العودة إلى المهمة بعد انقطاعها. حين ينقطع الذهن عن عمل مركّز، يحتاج إلى وقت كي يستعيد السياق، ويتذكر ما كان يفعله، ويعود إلى مستوى الانتباه السابق. ولهذا تبدو المقاطعة الهاتفية قصيرة في ظاهرها، لكنها أطول أثرًا في حقيقتها.

ولا يعني ذلك أن نغلق الهاتف تمامًا أو نتجاهل الناس، بل أن ننظم الاتصال بدل أن نتركه ينظم يومنا. يمكن وضع الهاتف على الصامت أو تفعيل وضع “عدم الإزعاج” أثناء فترات العمل العميق، مع السماح لجهات محددة فقط بتجاوز هذا الوضع عند الضرورة. ويمكن كذلك تخصيص أوقات قصيرة خلال اليوم لمراجعة المكالمات الفائتة والرد عليها، بدل أن يتحول اليوم كله إلى سلسلة من الانقطاعات.

وتزداد أهمية هذا التنظيم في الأعمال التي تنطوي على مخاطر سلامة، مثل القيادة، أو تشغيل المعدات، أو العمل في بيئات صناعية أو ميدانية. في هذه الحالات لا يكون الرد على الهاتف مسألة إنتاجية فقط، بل مسألة سلامة. فالمكالمة قد تسحب العين أو اليد أو الذهن بعيدًا عن المهمة الأساسية، وقد يكون ثمن ذلك أكبر بكثير من مكالمة فائتة. لذلك ينبغي التوقف في مكان آمن قبل إجراء المكالمات أو استقبالها في أثناء القيادة أو المهام الخطرة.

كذلك لا بد من احترام سياسة مكان العمل. فبعض الوظائف تقوم أصلًا على سرعة الاستجابة، مثل خدمة العملاء، والدعم الفني، والمبيعات، وبعض الأعمال الإدارية العاجلة. وفي هذه الحالات ينبغي أن تكون الاستجابة منظمة وواضحة، لا عشوائية. أما في الوظائف التي تعتمد على التفكير، أو التحرير، أو البرمجة، أو البحث، أو اتخاذ القرارات، فحماية التركيز جزء أصيل من جودة العمل.

الخلاصة أن الهاتف أداة نافعة، لكنه يصبح عبئًا حين يفرض إيقاعه على العمل كله. لا تجعل معيارك أن ترد على كل مكالمة، بل أن تميّز بين العاجل والمهم، وبين ما يستحق المقاطعة وما يمكن تأجيله. واسأل نفسك قبل الرد: هل هذه المكالمة عاجلة؟ وهل الرد الآن سيؤثر في سلامتي، أو جودة عملي، أو احترام اجتماع قائم؟ إن لم تكن المكالمة عاجلة، فتركها الآن والعودة إليها لاحقًا ليس إهمالًا، بل إدارة واعية للوقت والانتباه.

المصادر
  • Ohly, S., & Bastin, L. (2023). Effects of task interruptions caused by notifications from communication applications on strain and performance. Journal of Occupational Health, 65(1), e12408.
  • Centers for Disease Control and Prevention; National Institute for Occupational Safety and Health. (2024). Distracted Driving at Work.
  • American Psychological Association. Multitasking: Switching costs.
  • Occupational Safety and Health Administration. Worker Safety is Your Business: Keep Drivers Safe.