تشير مجموعة من الأبحاث التي استعرضها موقع SciPaperMill إلى اتساع نطاق العمل على الذكاء الاصطناعي الموجَّه إلى العربية؛ إذ لم تعد الجهود تقتصر على الترجمة أو التعرف الآلي على الكلام، بل تمتد إلى فهم اللهجات، والاستدلال اللغوي، والتوليد الصرفي، وتحليل الخطاب الرقمي، والكشف عن المحتوى الجدير بالتحقق. ويعكس هذا الاتجاه محاولة لمعالجة خصائص العربية التي ما تزال تمثل تحديًا للنماذج الحديثة، وفي مقدمتها التنوع اللهجي والتعقيد الصرفي ونقص بعض الموارد المتخصصة.
نماذج صوتية عربية تتجاوز النسخ الآلي
من أبرز الأعمال التي تناولها التقرير مشروع Nuha-Speech، الذي قدمه باحثون من شركة علم في السعودية بهدف بناء نماذج لغوية صوتية عامة الاستخدام للعربية. وأنشأ الباحثون مجموعة تدريب تضم نحو 1.5 مليون عينة من التعليمات الصوتية العربية، تشمل التعرف الآلي على الكلام والترجمة الصوتية والإجابة عن الأسئلة، إلى جانب مهام مثل تحديد اللهجة والتعرف على الانفعال والعمر والنوع.
واستخدم الفريق هذه البيانات في الضبط الدقيق لنماذج من عائلة Qwen-Omni بأحجام مختلفة. وأظهرت النتائج تحسنًا في المهام التي خضعت للضبط، فيما كانت المكاسب أوضح في بعض المهام غير اللغوية المباشرة، مثل تحديد اللهجة والعمر، وهو ما اعتبره الباحثون مؤشرًا إلى أن مثل هذه القدرات لم تحظ بالتمثيل الكافي في التدريب المسبق للنماذج الصوتية.
اختبارات جديدة لقدرة النماذج على فهم العلاقات بين الجمل
وفي مجال الفهم الدلالي، قدم باحثون سوريون معيار E-CONAN لتقييم الاستلزام النصي والاستدلال باللغة العربية. ويجمع المورد بيانات من مصادر متنوعة، تشمل نصوصًا مترجمة آليًا وأخرى راجعها البشر، إلى جانب أمثلة أُنشئت يدويًا وعناوين إخبارية تتضمن شائعات. واستخدم الباحثون المعيار لاختبار مجموعة من النماذج متعددة اللغات والنماذج اللغوية الكبيرة.
ويشير العرض الذي نشره SciPaperMill إلى أن التجارب كشفت اختلافًا في أنماط الخطأ بين النماذج؛ فبعض النماذج المدربة مسبقًا تأثرت بالتداخل المعجمي بين الجمل، في حين واجهت بعض النماذج اللغوية الكبيرة صعوبة في الفصل بين حالتي «المحايد» و«التناقض». ويعزز ذلك أهمية بناء اختبارات عربية تقيس الفهم الدلالي الفعلي، لا مجرد التشابه السطحي بين الكلمات.
الصرف العربي يظل اختبارًا صعبًا للنماذج الكبيرة
أما مشروع YallaMorph، الذي قدمه باحثون من مختبر CAMeL في جامعة نيويورك أبوظبي، فيستهدف قياس قدرة النماذج اللغوية على التوليد الصرفي العربي بصورة مضبوطة. ويضم المعيار 663,804 حالة تقييم تغطي الأفعال والأسماء والصفات والصيغ المتصلة بالسوابق واللواحق، فضلًا عن تراكيب صرفية غير ممكنة يفترض في النموذج اكتشافها.
وتشير نتائج العمل إلى أن الطلاقة العامة للنموذج لا تعني بالضرورة قدرته على التحكم الدقيق في السمات الصرفية؛ إذ تصبح المهمة أكثر صعوبة مع الصيغ النادرة أو غير المألوفة والصيغ المتصلة باللواصق. وهو ما يضع التعميم الصرفي، لا مجرد إنتاج نص عربي مقبول ظاهريًا، ضمن التحديات الأساسية أمام الجيل الحالي من النماذج.
اللهجات العربية: المزيد من البيانات ليس أفضل دائمًا
وتبرز اللهجات بوصفها محورًا آخر في الأبحاث الأخيرة. ففي نظام Rosetta المخصص للترجمة الحوارية من الإنجليزية إلى اللهجات العربية، استخدم الباحثون نموذج NileChat-3B مع تقنية LoRA ومعلومات عن اللهجة وسياق الحوار. لكن التجارب أظهرت نتيجة لافتة: التدريب المسبق الإضافي على موارد لهجية خارجية حسّن الأداء في لهجتين فقط من أصل 13، بينما أدى إلى تراجع طفيف في المتوسط العام.
وتشير هذه النتيجة إلى أن جمع بيانات لهجية إضافية لا يؤدي تلقائيًا إلى نموذج أفضل، وأن العلاقة بين اللهجات ومصادر التدريب قد تؤدي أحيانًا إلى ما يعرف بـ«النقل السلبي»، عندما تؤثر المعرفة المنقولة من مجموعة بيانات في أداء النموذج على لهجة أخرى.
وفي اتجاه قريب، اقترحت دراسة أخرى النظر إلى الترجمة اللهجية باعتبارها فضاءً من القرارات يمكن استكشافه عبر مسارات متعددة. وفي تجربة على الترجمة من التركية إلى العربية السورية، أدى ضبط خفيف للنموذج إلى رفع معدل استخدام العلامات اللهجية من 0.2266 إلى 0.4988، أي ما يقارب الضعف، بالتوازي مع انخفاض التقلب البنيوي في المخرجات.
من معالجة اللغة إلى مواجهة التضليل
ويمتد استخدام النماذج متعددة اللغات إلى تحليل المحتوى المنشور على الشبكات الاجتماعية. فقد درست ورقة عن الكشف عن المنشورات الجديرة بالتحقق إمكان تدريب نماذج متعددة اللغات للكشف في الوقت نفسه عن الادعاءات القابلة للتحقق والمحتوى الضار، مع دعم العربية إلى جانب عدد من اللغات الأخرى، من دون الحاجة إلى ترجمة المحتوى أولًا إلى الإنجليزية.
وفي سياق آخر، تناولت دراسة حديثة 67,725 تعليقًا عربيًا على يوتيوب مرتبطة بموضوعات سياسية واجتماعية في اليمن والسعودية والعراق والأردن وسوريا. ووجد الباحثون أن السلبية كانت مرتفعة في المجموعات الخمس، لكن التحليل الأكثر تفصيلًا للعواطف كشف في الوقت نفسه حضورًا قويًا لمشاعر الرعاية والإعجاب، مع بروز الحزن بصورة خاصة في corpus العراق.
وتوضح هذه النتيجة أحد جوانب التطور في معالجة المحتوى العربي: فالانتقال من التصنيف الثنائي البسيط بين «إيجابي» و«سلبي» إلى تحليل أكثر دقة للمشاعر والعواطف قد يكشف أنماطًا اجتماعية لا تظهر في مؤشرات الاستقطاب العامة وحدها. ومع ذلك، تشير الدراسة نفسها إلى أنها اضطرت إلى استخدام الترجمة إلى الإنجليزية في جزء من تحليل العواطف، وهو ما يبرز استمرار الحاجة إلى موارد ونماذج عاطفية عربية أصيلة.
الذكاء الاصطناعي العربي يدخل مرحلة أكثر تخصصًا
تجمع هذه الأعمال بين اتجاه واضح: الانتقال من سؤال «هل يستطيع النموذج التعامل مع العربية؟» إلى سؤال «إلى أي حد يفهم خصائصها الدقيقة؟». فالأولوية البحثية تتجه بصورة متزايدة إلى اللهجات والصرف والسياق والحوار والصوت والاستدلال وتحليل الخطاب الرقمي، مع بناء معايير وبيانات أكثر تخصصًا لقياس هذه القدرات.
وبالنسبة إلى تطوير تقنيات اللغة العربية، فإن أهمية هذه الأبحاث لا تكمن فقط في تحسين نتائج الاختبارات، بل في تأسيس بنية بحثية يمكن أن تدعم تطبيقات أكثر موثوقية، من المساعدات الصوتية والترجمة اللهجية إلى أدوات البحث والتحقق من المعلومات وتحليل المحتوى الرقمي.
المصدر: أُعد هذا التقرير في «حاسوبويه» استنادًا إلى التقرير الذي نشره SciPaperMill في 13 سبتمبر 2026 حول اتجاهات حديثة في أبحاث الذكاء الاصطناعي ومعالجة العربية، مع الرجوع إلى عدد من الأوراق الأصلية التي تناولها التقرير للتحقق من التفاصيل العلمية.
التقرير الأصلي في SciPaperMill
Nuha-Speech على arXiv
E-CONAN على arXiv
YallaMorph على arXiv
Rosetta at AlexandriaX-2026 على arXiv
Translation as a Decision Space على arXiv
Affective publics in Arabic YouTube على arXiv



