/

يونيو 16, 2026

الذكاء الاصطناعي في 2026: من مرحلة التبنّي إلى عصر الوكلاء الأذكياء

أبحاث هارفارد ترصد تحوّل الذكاء الاصطناعي في بيئات العمل من أداة مساعدة إلى شريك في القيادة والإنتاج واتخاذ القرار

تكشف مجموعة من أبحاث كلية هارفارد للأعمال أن عام 2026 قد يمثل منعطفًا جديدًا في مسار الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات، إذ لم يعد الاستخدام مقتصرًا على كتابة الرسائل أو تلخيص البيانات، بل اتجه نحو أنظمة أكثر استقلالًا تعرف باسم «الذكاء الاصطناعي الوكيلي»، قادرة على التخطيط والتنفيذ والمتابعة ضمن سير عمل شبه ذاتي، مع استمرار الحاجة إلى الإشراف البشري والضوابط الأخلاقية.

تقدم كلية هارفارد للأعمال، عبر إصدار حديث من منصة HBS Working Knowledge بعنوان AI in 2026: From Adoption to Agentic، قراءة واسعة لتحولات الذكاء الاصطناعي في سوق العمل والإدارة والابتكار. ويجمع الإصدار بين عدد من الدراسات والمقالات البحثية التي تتناول أثر الذكاء الاصطناعي في القيادة، والوظائف، والعمل الجماعي، واتخاذ القرارات الحساسة، وإدارة المواهب التقنية.

ويشير التقرير إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي أصبح حاضرًا بصورة متزايدة في بيئات العمل، غير أن كثيرًا من المؤسسات لا تزال في المراحل الأولى من استثمار قدراته. فالتحول الأبرز، بحسب ما تعرضه أبحاث هارفارد، يتمثل في الانتقال من استخدام الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة لإنتاج النصوص أو تلخيص المعلومات، إلى استخدامه بوصفه «فريق دعم رقمي» قادرًا على متابعة المنافسين، وتحليل الاجتماعات، ومساندة المديرين في ترتيب الأولويات.

الذكاء الاصطناعي الوكيلي: مساعد استراتيجي للقيادة

يركز أحد محاور الإصدار على مفهوم «الذكاء الاصطناعي الوكيلي»؛ أي الأنظمة القادرة على التخطيط والاستدلال والتصرف لإنجاز مهام مركبة بقدر محدود من الإشراف البشري. وترى تسيدال نيلي، أستاذة إدارة الأعمال في هارفارد، بالتعاون مع ريتشا رانجان من مجموعة إكسبيديا، أن هذه النظم يمكن أن تتحول إلى ذراع استراتيجية للقادة، لا تكتفي بجمع المعلومات، بل تربطها بأهداف المؤسسة وتقترح إجراءات عملية.

ومن الأمثلة التي يوردها التقرير أن الوكيل الذكي يمكنه متابعة الأخبار والمستجدات المتعلقة بالشركات المنافسة أو الشركاء كل صباح، ثم تلخيصها وترجمتها إلى مهام مرتبطة بأولويات المؤسسة. كما يمكنه تحليل التقويمات ورسائل البريد ومحاضر الاجتماعات لاكتشاف أين يقضي المديرون وقتهم فعلًا، وهل يتوافق ذلك مع الأهداف الاستراتيجية المعلنة.

غير أن التقرير يؤكد أن هذا التحول لا يعني تفويضًا كاملًا للآلة. فالقيمة الحقيقية لهذه النظم تتطلب تخطيطًا واضحًا للبيانات المستخدمة، وآليات تنفيذ مضبوطة، ودورة تعلم مستمرة، فضلًا عن مراجعة بشرية عند نقاط القرار المهمة. كما يشدد على أهمية البدء بالمهام المتكررة قليلة المتعة، وتوسيع إتاحة الأدوات داخل المؤسسة، وتدريب الموظفين جماعيًا، وضمان الاستخدام القانوني والأخلاقي للبيانات.

الجمهور لا يرفض الأتمتة مطلقًا… لكنه يرسم حدودًا

ويتناول محور آخر موقف الجمهور من إحلال الذكاء الاصطناعي محل البشر في سوق العمل. ووفق دراسة أعدها جيمس رايلي، أستاذ إدارة الأعمال المساعد في هارفارد، أبدى المشاركون دعمًا لأتمتة نحو 30% من الوظائف في ضوء القدرات الحالية للذكاء الاصطناعي. وترتفع هذه النسبة إلى 58% عند افتراض وجود ذكاء اصطناعي مستقبلي أكثر كفاءة وأقل تكلفة من البشر.

لكن هذا الانفتاح لا يعني قبولًا شاملًا باستبدال الإنسان. فقد أظهر المشاركون تحفظًا واضحًا تجاه أتمتة وظائف يُنظر إليها باعتبارها ذات بعد إنساني أو أخلاقي عميق، مثل رجال الدين، ورعاية الأطفال، وبعض المهن المرتبطة بالفن والرياضة والعزاء والخدمات ذات الحساسية الاجتماعية.

وتنبه الدراسة الشركات إلى أن قرارات الأتمتة لا ينبغي أن تُبنى على الكفاءة الاقتصادية وحدها. فبعض العملاء والموظفين قد يرفضون منتجات أو خدمات إذا شعروا أن العنصر الإنساني اختفى من مواضع يعدّونه جوهريًا في التجربة أو الثقة أو القيمة الرمزية للخدمة.

الذكاء الاصطناعي عضوًا في الفريق لا مجرد أداة

وفي مجال الابتكار والعمل الجماعي، يعرض الإصدار نتائج تجربة ميدانية شملت 791 من المهنيين العاملين في تطوير المنتجات لدى شركة بروكتر آند غامبل. وتوصل باحثون من هارفارد، بينهم رافاييلا سادون وكريم لاخاني، إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يؤدي دور «زميل سيبراني» داخل فرق العمل، لا مجرد أداة منفصلة.

وأظهرت التجربة أن الفرق التي استخدمت الذكاء الاصطناعي أنتجت أفكارًا أعلى جودة، وأن الأفراد المدعومين بالذكاء الاصطناعي استطاعوا بلوغ مستوى قريب من أداء فرق بشرية صغيرة لا تستخدم الذكاء الاصطناعي. كما ساعدت التقنية في كسر الحواجز التقليدية بين التخصصات الفنية والتجارية، إذ باتت الأفكار تجمع بين الجانبين بصورة أوضح.

وتشير النتائج كذلك إلى جانب نفسي مهم؛ فقد أبلغ العاملون الذين استخدموا الذكاء الاصطناعي عن مستويات أعلى من الحماسة والطاقة، وانخفاض في القلق والإحباط مقارنة بمن عملوا منفردين دون دعم تقني. ويقترح الباحثون أن تنظر المؤسسات إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه شريكًا في التفكير، وأن توفر تدريبًا عمليًا قصيرًا يساعد الموظفين على التعامل معه كطرف تعاوني لا كمحرك بحث متقدم فحسب.

القرارات الحساسة بين البشر والخوارزميات

ولا يغفل الإصدار إشكالية القرارات عالية الحساسية، مثل الموافقة على القروض البنكية أو قرارات الإفراج قبل المحاكمة. وتعرض دراسة لإليزابيث بولسون، أستاذة إدارة الأعمال المساعدة في هارفارد، نتائج مسح شارك فيه 9 آلاف شخص حول تفضيلهم بين البشر والخوارزميات في اتخاذ مثل هذه القرارات.

وأظهرت النتائج أن المشاركين يميلون عمومًا إلى تفضيل القرار البشري، لكن الفارق ليس كبيرًا في كل الحالات. ففي سيناريوهات القروض، كان المشاركون أكثر ميلًا إلى اختيار مدير بشري بنسبة 4.3 نقطة مئوية، بينما ارتفع التفضيل البشري إلى 7.6 نقطة مئوية في قرارات الإفراج قبل المحاكمة. وفي المقابل، أبدى نحو ثلث المشاركين تفضيلًا للخوارزميات عندما اعتبروها أكثر عدالة أو كفاءة.

وتلفت الدراسة إلى أن جودة القرار وفاعليته كانت في كثير من الحالات أكثر أهمية لدى المشاركين من هوية صانع القرار، سواء أكان إنسانًا أم خوارزمية. ومع ذلك تؤكد أن مسائل العدالة، والشفافية، والخصوصية، والإجراءات القانونية لا يمكن تجاهلها عند إدخال الخوارزميات في مجالات حساسة.

معركة المواهب: امتلاك الخبراء لا يكفي

ويختم الإصدار بمحور عن سباق الشركات الكبرى لاستقطاب مواهب الذكاء الاصطناعي. ويرى بوريس غرويسبرغ، أستاذ إدارة الأعمال في هارفارد، أن التحدي الحقيقي لا يكمن في توظيف أفضل الخبراء فحسب، بل في تحويل خبراتهم إلى أداء جماعي داخل المؤسسة.

ويطرح غرويسبرغ مفهوم «كثافة المواهب» باعتباره عاملًا حاسمًا في المنافسة، أي نسبة أصحاب المواهب العالية إلى إجمالي العاملين، ولا سيما في الوظائف الحرجة المرتبطة بالميزة التنافسية. لكنه يحذر من الاعتقاد بأن جمع النجوم داخل مؤسسة واحدة سيخلق فريقًا ناجحًا تلقائيًا؛ فالتكامل، وتصميم الفريق، وإطلاقه، وبناء ثقافته الداخلية، كلها عناصر لا تقل أهمية عن التوظيف نفسه.

كما يشير إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يجعل المؤسسات أصغر وأكثر إنتاجية، لكنه في الوقت نفسه قادر على تضخيم الأخطاء إذا استُخدم دون خبرة أو ضوابط. وبذلك لا يلغي الذكاء الاصطناعي الحاجة إلى المهارات الإنسانية، مثل التأثير، والقيادة، وفهم السياق، واتخاذ القرار في المواقف المعقدة.

من التبنّي إلى الحوكمة

تعكس أبحاث هارفارد صورة أكثر نضجًا للذكاء الاصطناعي في 2026. فلم يعد السؤال مقتصرًا على ما إذا كانت المؤسسات ستستخدم الذكاء الاصطناعي، بل كيف ستدمجه في بنية العمل، وكيف ستوازن بين الكفاءة والثقة، وبين الأتمتة والحضور الإنساني، وبين الابتكار والحوكمة.

وتكشف هذه الرؤية أن المرحلة المقبلة ستتطلب من المؤسسات العربية، كما العالمية، الانتقال من الاستخدام الفردي المتفرق إلى سياسات واضحة لإدارة الذكاء الاصطناعي: تدريب الموظفين، ضبط البيانات، تحديد مجالات التفويض، إبقاء الإنسان في مواضع القرار الحاسمة، وتطوير ثقافة تنظيمية ترى التقنية شريكًا في العمل لا بديلًا مطلقًا عن الإنسان.

المصدر: HBS Working Knowledge، إصدار: AI in 2026: From Adoption to Agentic، كلية هارفارد للأعمال، فبراير 2026.

وسوم: الذكاء الاصطناعي، الذكاء الاصطناعي الوكيلي، الذكاء الاصطناعي التوليدي، مستقبل العمل، حوكمة الذكاء الاصطناعي، Harvard Business School، HBS Working Knowledge، الذكاء الاصطناعي في 2026.