العربية والتقنية في قلب النقاش العلمي العالمي.. نزار حبش يستعرض 40 عامًا من تطور العربية في الذكاء الاصطناعي خلال EACL 2026
في كلمة رئيسة لافتة ضمن مؤتمر EACL 2026 بالرباط، قدّم الباحث نزار حبش قراءة تحليلية لتاريخ العربية في التقنية، مؤكدًا أن التحدي الحقيقي لم يعد مجرد إدراج العربية في النماذج الحديثة، بل بناء أنظمة تفهم تعقيدها الصرفي والكتابي واللهجي والثقافي.
شهد المؤتمر الرئيس لـ EACL 2026 المنعقد في الرباط بالمغرب كلمة رئيسة حملت عنوان “العربية والتقنية: منظور يمتد أربعين عامًا”، قدّمها الباحث البارز نزار حبش، متناولًا خلالها المسار التاريخي والتقني للعربية في ميدان المعالجة الآلية للغات، من البدايات المبكرة للحوسبة العربية إلى المرحلة الراهنة التي تقودها النماذج اللغوية التوليدية واسعة النطاق.
وجاءت الكلمة بوصفها مراجعة علمية موسعة لموقع العربية داخل التحولات الكبرى التي عرفها مجال معالجة اللغات الطبيعية، مع تركيز خاص على الخصائص التي تجعل العربية حالة فريدة في هذا السياق؛ فهي، كما أوضح حبش، لغة ذات غنى صرفي كبير، ودرجة عالية من الالتباس الكتابي، وتنوع لهجي واسع، وامتداد تاريخي وجغرافي معقّد، وهو ما يجعل التعامل معها تقنيًا أكثر من مجرد مسألة دعم لغوي تقليدي.
وأكد حبش أن العربية ليست لغة هامشية في التاريخ التقني، بل تمتلك مسارًا ممتدًا من التفاعل مع التكنولوجيا. واستعاد في هذا الإطار محطة عام 1986 بوصفها سنة رمزية في تاريخ الحوسبة العربية، إذ شهدت بروز حواسيب عربية مبكرة، كما شهدت اعتماد الترميز المعياري للعربية الذي أصبح لاحقًا جزءًا من منظومة Unicode/ISO، ما يعكس أن حضور العربية في الفضاء الحاسوبي أعمق زمنيًا مما يُتصوَّر أحيانًا.
وفي تحليله للتحديات البنيوية، شرح المتحدث أن الإشكال في العربية لا يقتصر على جانب واحد، بل ينشأ من تداخل عدة مستويات؛ فالكتابة العربية، بوصفها نظامًا لا يُظهر الحركات القصيرة في أغلب الاستعمالات اليومية، تفتح المجال لالتباسات متعددة في القراءة والفهم، كما أن البنية الصرفية الغنية تجعل الكلمة الواحدة قابلة لعدد كبير من التصريفات والاحتمالات. ويزداد هذا التعقيد مع التعايش بين العربية الفصحى الحديثة واللهجات المحلية والأنماط الهجينة التي يستخدمها المتحدثون في الواقع اليومي.
وأشار حبش إلى أن هذا التعقيد يفرض على مطوري النماذج اللغوية تجاوز النظرة المبسطة التي تكتفي باعتبار العربية “لغة مدعومة”. فوجود العربية ضمن قائمة اللغات التي تتعامل معها النماذج لا يعني بالضرورة أن هذه النماذج تفهم خصائصها على نحو كافٍ. ومن هنا دعا إلى ضرورة الانتباه إلى الانحيازات المضمَّنة في تصميم الخوارزميات وآليات التقطيع والترميز والتقييم، خاصة عندما تُبنى هذه المنظومات وفق تصورات تشكّلت أساسًا انطلاقًا من لغات أخرى أكثر حضورًا في البيانات.
وتوقفت الكلمة عند مسألة اللهجات العربية بوصفها عنصرًا جوهريًا في أي تصور مستقبلي لتقنيات اللغة العربية. فقد أوضح حبش أن الحدود السياسية في العالم العربي لا تطابق الحدود اللهجية، وأن العربية المعيارية الحديثة ليست اللغة الأم الطبيعية للمتحدثين، بل صيغة معيارية جامعة يتعلمونها إلى جانب لهجاتهم المحلية. وفي هذا الإطار، طرح تصورًا يرى أن الفصحى واللهجات ينبغي أن تُفهم ضمن شبكة عربية واحدة مترابطة، بدل التعامل معها كأنها كيانات منفصلة لا يجمعها إطار لغوي مشترك.
كما عرض الباحث أمثلة تطبيقية توضح أن النماذج الحديثة، على الرغم من قدراتها اللافتة، ما تزال تُظهر مواطن قصور واضحة عند التعامل مع العربية. وشملت الأمثلة حالات من سوء الفهم الدلالي، وصعوبات في تفسير النصوص غير المنقوطة أو “العربية بلا نقط”، وأخطاء في التصريف الصرفي لبعض الأفعال النادرة أو المولدة حديثًا، فضلًا عن اضطراب في الإجابة عن أسئلة تاريخية معقدة تتطلب دقة معرفية وسياقية عالية. وقد استخدم هذه الحالات ليؤكد أن التقدم الذي أحرزته النماذج لا ينبغي أن يقود إلى افتراض اكتمال الحلول أو انتهاء الحاجة إلى البحث المتخصص.
ومن أبرز الرسائل التي حملتها الكلمة دعوة حبش إلى أن تكون التقنية في خدمة اللغة، لا أن تُجبر اللغة على التكيف مع قصور التقنية. وتنعكس هذه الرؤية في موقفه من تصميم الأدوات اللغوية، إذ شدد على أن المطلوب هو بناء أنظمة قادرة على استيعاب تنوع العربية وتمثيلها بمرونة، لا مطالبة المستخدم العربي بتبسيط لغته أو تقليصها لتوافق حدود النظام. وهذه الفكرة، في نظره، تمثل أساسًا ضروريًا لأي تطور جاد في تطبيقات المعالجة الآلية والتوليد النصي والتخاطب الصوتي المرتبطة بالعربية.
وعلى الصعيد المؤسسي والبحثي، أبرزت الكلمة نمو المجتمع العلمي العامل على العربية، سواء من حيث عدد الأبحاث والمنشورات، أو من حيث توسع المبادرات المفتوحة، أو من خلال ظهور مدارس ومؤتمرات ومجتمعات تخصصية تعزز حضور العربية في المشهد العالمي للمعالجة الآلية للغات. كما أشار حبش إلى أهمية النظم المفتوحة وتبادل الموارد والبيانات، معتبرًا أن استدامة التقدم في هذا المجال ترتبط ببناء بيئة تعاونية تسمح بتراكم المعرفة وعدم ارتهانها لجهات مغلقة أو مبادرات قصيرة الأمد.
واختتمت الكلمة برؤية مستقبلية تدعو إلى بناء منظومة عربية متماسكة ومستدامة في الذكاء الاصطناعي ومعالجة اللغة، تقوم على التدريب المستمر، والانفتاح العلمي، والتعاون بين الباحثين والمؤسسات، والاستثمار في الجيل الجديد من المتخصصين. ووفقًا لملخص الكلمة المنشور، فإن هذه الرؤية تستهدف ضمان أن تسهم تقنيات الذكاء الاصطناعي في خدمة العربية وتعبيراتها الثقافية المتنوعة، لا مجرد تمثيلها شكليًا داخل النماذج العامة.
وبذلك، بدت كلمة نزار حبش في EACL 2026 بمثابة دعوة علمية واضحة إلى الانتقال من مرحلة الاحتفاء بوجود العربية داخل الأدوات الحديثة، إلى مرحلة أكثر نضجًا تسأل: كيف يمكن بناء تقنية تفهم العربية كما هي، بكل غناها وتنوعها وتعقيدها؟ وهو سؤال مرشح لأن يبقى في صدارة النقاشات البحثية خلال المرحلة المقبلة.
#العربية_والتقنية #نزار_حبش #EACL2026 #معالجة_اللغة_العربية #اللغة_العربية #الذكاء_الاصطناعي #ArabicNLP #حاسوبويه
